ما تبقي من الاسم

ما تبقى من الاسم
قراءة في قصيدة 
«هنا ألم»
 للشاعرة / عبير عبد المنعم

هُنا ألَمٌ ..
وسردٌ من لدن وجعي،

وطاولةٌ
وقرطاسٌ،
وحبرٌ فضَّهُ دمعي.

وعقلٌ دائمُ الشكوى
عن الأحوالِ والحُجَجِ،
يُسائلني:
عَلامَ الدلوُ والجُبُّ؟

وحبلُ الوُدِّ مفتولٌ،
فكان الردُّ من ولهي:

بلا جدوى
أنينُ الشعرِ والشوقِ.

وحافظةٌ
بها حرفي نديمُ الصمتِ والسلوى.

لقد وضعوني أُغنيةً
على جَمرٍ بلا اسمٍ.

لقد تركوني كي أنسى،
أُحَدِّقُ في حناجرهم.

أموتُ الموتةَ الصغرى،
وأحيا في ضمائرهم.

بطرفِ الليلِ، هم نجوى.

بلا اسمٍ يُنادونني،
بلا صوتٍ أُجيبُ المرّةَ الأولى.

وأعقبُها بآهٍ
من حَشَى قلبي،

فيسمعُ آهتي الموتى.

ليست كل القصائد تبدأ من كلمة.
بعضها يبدأ من جرح.
وبعض الجروح لا تحتاج إلى شرح؛ يكفي أن تشير إليها.
«هنا ألم»...
بهذه العبارة القصيرة تضع

الشاعرة / عبير عبد المنعم

إصبعها على موضع الوجع، لكنها لا تخبرنا أين يقع الألم بقدر ما تتركنا أمام سؤال اخر: 
ماذا يوجد هنا، حيث الألم؟

فـ«هنا» 
ليست مجرد ظرف مكان. 
إنها أول حدود القصيدة، وربما أول حدود الذات نفسها. 

ومن هذه الإشارة الصغيرة تنفتح القصيدة على عالم كامل: طاولة، قرطاس، حبر، دمع، عقل يسائل، دلو وجب، حبل ود، أغنية، جمر، اسم يغيب، صوت لا يجيب، وآهة تصل في النهاية الى الموتى
.
هذه المفردات ليست متناثرة.
إنها تقود، في عمقها، إلى سؤال واحد:
ماذا يبقى من الذات حين يفقدها الآخر اسمها وصوتها؟

وهنا تحديدا تكمن خصوصية القصيدة.
تبدأ الشاعرة من الكتابة:
«وسرد من لدن وجعي، وطاولة وقرطاس، وحبر فضه دمعي.»
فالذات لا تستطيع أن تتخلص من وجعها إلا بأن تكتبه، لكنها لا تجد حبرا خالصا للكتابة.
الحبر نفسه دمع.
كأنها لا تكتب عن الألم، بل تكتب بالألم نفسه.

ولهذا تصبح الطاولة والقرطاس والحبر أكثر من أدوات؛ إنها المساحة التي تحاول فيها الذات أن تستعيد شكلها من داخل الوجع.

ثم يظهر العقل ليسأل:
«وعقل دائم الشكوى عن الأحوال والحجج، يسائلني: 
علام الدلو والجب؟»

هنا 
تدخل القصيدة إلى الذاكرة التراثية. 
فالدلو والجب يستدعيان قصة يوسف، حيث كان الجب موضع السقوط والدلو وسيلة الانتشال.

لكن الشاعرة لا تستعيد الحكاية لترويها، بل تستدعيها لتسأل:
علام الدلو والجب؟

كأن السؤال لم يعد عن كيفية النجاة، بل عن جدوى محاولة الانقاذ.

وهذا ما يمنح الصورة قوتها: 
التراث لا يأتي زينة، وانما يتحول إلى سؤال معاصر عن امكانية الخروج من الجب.

ثم تأتي المفارقة:
«وحبل الود مفتول، فكان الرد من ولهي: بلا جدوى أنين الشعر والشوق.»

الحبل موجود.
والود مفتول.
ومع ذلك لا جدوى.

فالمشكلة ليست دائما في انقطاع الوصل، بل ربما في استحالة الوصول عبره.

ومن هنا 
تبدأ القصيدة في فقدان أشيائها شيئا فشيئا.
«لقد وضعوني اغنية على جمر بلا اسم.»
لم تقل الشاعرة: وضعوني على الجمر.
بل قالت: وضعوني اغنية.
لقد تحولت الذات إلى صوت، إلى لحن، الى شيء يسمع ولا يرى.

لكن حتى هذه الأغنية توضع على «جمر بلا اسم».
وهنا تلتقي الغنائية بالاحتراق، ويلتقي الحضور بالمحو.
فالاسم، الذي يمنح الكائن تعينه، يغيب.

ثم تأتي صورة شديدة الذكاء:
«لقد تركوني كي أنسى، أحدق في حناجرهم.»
لم تحدق الشاعرة في وجوههم، بل في حناجرهم.
والحنجرة هنا ليست عضوا جسديا فقط؛ إنها موضع الصوت.

كأن الذات تراقب المكان الذي يخرج منه صوت الآخر، بينما صوتها هي يتراجع.

هنا 
يصبح الصراع في القصيدة صراعا على شيء أبسط من الحب واكثر جوهرية منه:
حق أن تنادى، وحق أن تجيب.

وهذا ما يفسر بلوغ القصيدة ذروتها في:
«اموت الموتة الصغرى، واحيا في ضمائرهم.»
الموتة الصغرى تستحضر معنى النوم، لكن الشاعرة تعيد تشكيلها داخل تجربتها الخاصة.
هي تغيب، لكنها لا تفنى.
تتحول من حضور مباشر إلى حضور في «ضمائرهم».
وهنا تقع المفارقة الأكثر مرارة:
ان تكون موجودا في ضمائر الآخرين، ولا تكون حاضرا باسمك.
فالاسم يمنح الذات تعينا، بينما الضمير يمنحها حضورا مجردا.

 هنا 
يمكن قراءة القصيدة كلها بوصفها رحلة من الاسم إلى الضمير.
ثم يأتي النفي في أكثر صوره كثافة:
«بلا اسم ينادونني، بلا صوت أجيب المرة الأولى.»
لاحظوا تتابع «بلا»:
«بلا جدوى»
«بلا اسم»
«بلا صوت»
إنها ليست مجرد أدوات نفي.
إنها درجات متصاعدة من فقدان الذات:
بلا جدوى: سقوط الفعل.
بلا اسم: سقوط الهوية.
بلا صوت: سقوط القدرة على التعبير.
ثم لا يبقى إلا الآهة.
ولهذا تبدو نهاية القصيدة شديدة الدلالة:
«وأعقبها بآه من حشى قلبي، فيسمع آهتي الموتى.»

بدأت القصيدة بالسرد، ثم انتقلت إلى السؤال، ثم الأغنية، ثم النداء، ثم لم يبق إلا «آه».
كأن اللغة، وهي تحاول أن تنقذ الذات، انتهت إلى اكتشاف حدودها.
لكن المفارقة أن هذه الآهة التي لم يسمعها الأحياء، يسمعها الموتى.
 تترك الشاعرة النهاية مفتوحة: 
من هم الموتى؟ 
هل هم الغائبون؟ 
أم الذين صاروا خارج قدرتها على الوصول؟ 
أم أن الوجع حين يبلغ منتهاه يصبح أبلغ من اللغة؟

القصيدة لا تجيب.
ومن جمالها أنها لا تفعل.
لهذا لا أرى «هنا ألم» قصيدة عن الحزن فقط.
إنها قصيدة عن الوجود حين يصبح معلقا بين الإعتراف والغياب.
عن ذات لا تطلب من العالم سوى أن يناديها باسمها، وأن تستطيع أن تجيب بصوتها.
والاسم هنا ليس لفظا.
والصوت ليس مجرد نبرة.
كلاهما شهادة على الوجود.
ولهذا تبدو المفارقة الأخيرة في غاية الجمال:
الشاعرة تقول:
«بلا اسم ينادونني»
لكنها في اللحظة نفسها تضع اسمها على القصيدة.
وتقول:
«بلا صوت اجيب»
بينما نحن، بفضل النص، نسمع صوتها.
هنا تنقلب المعادلة كلها.
ما عجز الآخر عن حفظه، حفظه النص.
وما كاد يضيع في الذاكرة، أعادته الكتابة إلى الوجود.
لذلك ربما لا تكون «هنا ألم» صرخة في مواجهة المحو فحسب، بل تكون محاولة لاستعادة ما كاد أن يمحى.
فالاسم قد يغيب عن النداء،
والصوت قد يعجز عن الإجابة،
والحضور قد يتحول إلى ذكرى،
لكن القصيدة تستطيع أن تقول:
كنت هنا.
وهذه، في تقديري، هي قوة «هنا ألم» الحقيقية.
إنها لا تنتصر على الألم، ولا تدعي الخلاص منه.
إنها تفعل شيئا أكثر صدقا:
تمنح الألم شكلا لا يستطيع النسيان محوه.
وربما لهذا، بعد أن ينتهي النص، لا يبقى في الذاكرة كل ما قالته الشاعرة.
يبقى شيء واحد:
اسم يحاول ألا يضيع.
وصوت يحاول ألا ينطفئ.
وآهة...
وصلت إلى الموتى.