السادات بعيون حفيده الشاهد على اغتياله: تواضعه، عبقريته، وأحلامه المجهولة
السادات كما لم تعرفه من قبل : رواية حفيده عن تواضعه وعبقريته واحلامه التى لم تتحقق شريف مرعى يكشف اسرار بيت السادات : كواليس عن الرئيس الشهيد وجيهان السادات
في حوار خاص ، فتح شريف حسن مرعي، حفيد الرئيس الراحل محمد أنور السادات من ابنته نهى، قلبه ليحكي تفاصيل طفولته وعلاقته بجديه من ناحية الأم والأب. شريف، الذي يجلس أمامك في هدوء رجل أربعيني، يبدو وكأنه نسخة ثانية من جده الراحل، ليس فقط في ملامحه ونظراته، بل حتى في حركات يديه وإيماءات جسده.
ولد شريف مرعي ليكون "الحفيد الأول والمدلل" في بيت الرئيس، ما جعله قريباً من دوائر الأحداث الكبرى، بل ومرافقاً لجده في العديد من جولاته الخارجية والداخلية داخل مصر وخارجها. ويروي أن آخر تلك الجولات التي رافق فيها السادات كانت يوم حادث المنصة الشهير، الذي اغتيل فيه الرئيس أمام أعين العالم.
يمارس شريف اليوم عمله الخاص في مجال الزراعة والتصدير، محافظاً على أسلوب حياة أرستقراطي ورثه عن عائلته، لكن بعيداً كل البعد عن عالم السياسة، استجابة لوصية الرئيس الراحل لأبنائه وأحفاده:
وعن صفات جده السادات، وصفه شريف بكلمات قليلة لكنها عميقة: "كان ثابتاً، صبوراً، متواضعاً، كريماً، ونبيلاً." أما جدته السيدة جيهان السادات فقد رآها "قوية وحاسمة وفي الوقت ذاته متواضعة ومضيافة جداً." وعن جده من ناحية الأب، المهندس سيد مرعي، اكتفى بوصفه قائلاً: يمتلك اخلاق الفروسية
وعن جدته جيهان السادات يقول المرأة القوية والمضيافة تعلمت منها الحزم وفشلت أن اكون بنفس قوتها الشخصية .
الحوار مع شريف مرعي يكشف جانباً إنسانياً نادراً من عائلة الرئيس السادات، ويعيدنا إلى كواليس بيت الرئيس الذي شهد أحداثاً شكلت جزءاً من تاريخ مصر الحديث
الرئيس السادات كان صاحب شخصية ملهمة.. كيف لمست هذه الكاريزما عن قرب أثناء طفولتك؟
كان جدي متواضعاً إلى حد بعيد، لم يعرف يوماً تصرفات التعالي أو الفوقية، وكان فلاحاً ابن فلاح، شديد الوفاء لأهله، لم تنقطع علاقته بهم حتى بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية. كان دائم السؤال عن أحوالهم، حريصاً على تلبية مطالبهم. كان شديد الارتباط بقريته ميت أبو الكوم في محافظة المنوفية، فقد عاش هناك أسعد لحظات طفولته وظل معتزاً بها حتى بعد وصوله إلى قمة السلطة. كان يحب أن يعود إليها كلما سنحت الفرصة، يجلس في منزله وسط الحقول مرتدياً الجلباب، محاطاً بأهله ومجموعة من الفلاحين البسطاء، وكان منزله هناك مفتوحاً لأي مواطن دون حواجز أو محاذير.
وكيف كان الرئيس السادات بعدما وصل إلى الحكم؟
لم يتغير أبداً بعد وصوله إلى الحكم. ظل على بساطته ووفائه لقريته. كان يذهب إلى منزله في ميت أبو الكوم باستمرار ويجلس وسط أهله في الحديقة، وكان لعشقه الشديد لقريته أن يصطحب قادة وزعماء دول إليها ليشاركهم هذا الحب. ومن أبرز من زار القرية بدعوته الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي جلس مع السادات هناك، في مشهد يجسد بساطة الرئيس وإنسانيته.
وما هي أكثر المحافظات التي كان يحبها الرئيس السادات؟
جدي كان يعشق كل شبر في أرض مصر، لكنه كان يفضل بعض المحافظات بشكل خاص. الإسكندرية كانت الأقرب لقلبه، وكان يحب أن يقود سيارته الفولكس فاغن الحمراء القاتمة بنفسه على كورنيش البحر وأحياناً بلا حراسة. كنت أرافقه أنا وخالي جمال السادات في هذه الجولات، وكنا نعيش لحظات طبيعية تماماً. بعض المارة كانوا يصابون بصدمة حين يكتشفون أنه الرئيس، والكثيرون لم يكونوا يتعرفون عليه من الأساس لأنهم لم يتوقعوا أن يروا رئيس الجمهورية يسير بلا موكب أو حرس. كما كان يعشق أسوان بنيلها وبيوتها وآثارها، ولم ينسَ يوماً محافظة المنوفية مسقط رأسه التي ظلت دائماً في قلبه.
ما المواقف الإنسانية التي تتذكرها للرئيس السادات؟
مواقفه الإنسانية لا تنسى. كان عاطفياً للغاية تجاه هموم الناس. عندما فاز بجائزة نوبل تبرع بقيمتها لصالح أهالي قريته. أذكر أيضاً أنه كان يجتمع ذات يوم بعدد من القادة والسفراء في منزله بالقرية، فجاءت سيدة فلاحة كبيرة في السن تطلب مقابلته. أبلغ الحرس جدي بطلبها، فما كان منه إلا أن قطع الاجتماع وطلب إدخالها، ثم قبّل رأسها وجلس ليستمع إليها بنفسه. هذا الموقف يعبر عن تواضعه واهتمامه بكل مواطن مهما كان بسيطاً.
متى انتقلت للعيش مع الرئيس السادات؟
انتقلت إلى منزل جدي وجدتي جيهان السادات وأنا طفل صغير، بناءً على طلب جدتي من والدتي التي كانت صغيرة السن وقتها. أرادت جدتي أن تساعدها وتعتني بي، وبالفعل عشنا في بيت الرئيس، وكنت الحفيد الأقرب والمدلل لديه. عشت هناك حتى استشهاده وأنا في السابعة من عمري، وهذه الفترة القصيرة تركت أثراً كبيراً في حياتي.
كيف تصف لنا أسرار عبقرية الرئيس السادات وقراراته المصيرية؟
جدي كان يتمتع بذكاء فطري غير عادي، ورؤية استشرافية سبقت عصره. كرّس حياته كرجل عسكري لبناء مؤسسات الدولة ودعمها. أفعاله أكدت أنه صاحب عقل نير وقلب سليم. كان حاسماً وحازماً في قراراته، يجيد قراءة وتحليل الشخصيات بدقة. كان يصف تصرفات الإسرائيليين بأنها "عبث"، وكان بارعاً في التفاوض ويمتلك عبقرية الخداع الاستراتيجي مع أعدائه. كان لا يحمل حقداً على أحد، سريع الغضب لكنه سرعان ما يصفو ويهدأ. من أهم ما أوصانا به قبل رحيله أن نبتعد عن السياسة تماماً، فقد كان يقول إنها أتعبته كثيراً في حياته، ولا يريد أن يعاني أحفاده مما عاناه هو. بالفعل، التزمنا جميعاً بهذه الوصية، وأصبحنا نركز على حياتنا العملية ومشروعاتنا الخاصة بعيداً عن السياسة.
ما قصة البايب الذي اشتهر به الرئيس السادات؟
بعدما أصيب بمرض في القلب بسبب تدخين السجائر، نصحه الأطباء بتركها تماماً. لجأ حينها إلى تدخين البايب وكان يفضل تبغ ماركة "دافيدوف". هذا البايب أصبح علامة مميزة لصورته وأسلوبه حتى اليوم.
من اهم اقرب اصدقاء الرئيس السادات من رؤساء العالم ، لو تتذكر ؟
نعم اتذكر : الملك فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية الاسبق والامير احمد جابر الصباح امير الكويت الاسبق
كنت أصغر شاهد على حادث المنصة.. كيف كان ذلك اليوم؟
ذلك اليوم كان من أصعب أيام حياتي وأكثرها تأثيراً في نفسي. كنت في البداية أجلس في المقاعد المخصصة للعائلة مع جدتي جيهان السادات، ثم أرسل الرئيس الحرس ليصطحبوني لأجلس بجواره في المنصة. لم تمر سوى دقائق قليلة حتى وقع حادث الاغتيال. تدخل الحرس على الفور وأبعدوني عن مكان إطلاق النار وأنقذوني بأعجوبة. في ذلك اليوم تلقيت صدمتين كبيرتين: الأولى استشهاد جدي الرئيس السادات، والثانية إصابة جدي من ناحية الأب المهندس سيد مرعي برصاصة غادرة. كان يوماً مليئاً بالحزن والصمت والدموع.
لماذا لا توجد صورة واضحة للحظة الاغتيال؟
لأن الحراسة تصرفت بسرعة وأنقذت الموقف قبل أن تُلتقط أي صورة، ولعل ذلك كان أفضل حتى لا يصاب المصريون بصدمة مضاعفة.
بماذا كان يحلم لو امتد به العمر؟
كان يحلم بإنشاء مواقع للعبادة لجميع الأديان السماوية في سيناء.
وماذا عن جدك من ناحية الأب المهندس سيد مرعي؟
جدي السيد مرعي كان رجلاً من طراز خاص، يمتلك أخلاق الفرسان. كان صديقاً مقرباً ووفياً للرئيس السادات، وكانت تجمعهما علاقة عائلية قوية. تخرج جدي في كلية الزراعة عام 1937، وكان صاحب قانون تحديد القيمة الإيجارية والملكية، وشارك في صياغة قوانين الإصلاح الزراعي، وشغل منصب وزير الزراعة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ثم أصبح رئيساً لمجلس الأمة فيما بعد. كان يمتلك مزرعة كبيرة للخيل العربي الأصيل ويقتني أكثر من 50 فرساً. حدث موقف شهير حين قرر عبد الناصر الاستغناء عن الخيل لأنها كانت تمثل عبئاً على الدولة، فرفض جدي القرار وتعهد بتحسين أوضاعها حتى اقتنع عبد الناصر بفكرته وتراجع عن قراره. لذلك يعتبر جدي منقذ الحصان المصري الأصيل. وقد ورث عنه هذا الشغف ابنه – عمي الدكتور نصر مرعي – الذي أصبح أول حكم مصري وعربي دولي في البطولات العالمية للفروسية.
احكِ لنا عن جدتك السيدة جيهان السادات؟
جدتي كانت حازمة وصارمة جداً، لكنها في الوقت نفسه كانت تحب عائلتها للغاية وتحوط علينا جميعاً. كانت مضيافة جداً وصريحة، محبوبة بين صفوف الجيش المصري، وتعشق تراب الوطن بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وماذا فعلت بعد وفاة الرئيس أنور السادات؟
بعد وفاة جدي تفرغت لرعاية أبنائها وأحفادها، ثم عملت محاضِرة في إحدى الجامعات الأمريكية حيث كانت تدرّس مادة حقوق المرأة في الشرق الأوسط.
وكيف كانت علاقتك بها؟
كانت علاقتي بها دافئة للغاية، كنت دائماً ألجأ إليها للحصول على النصائح سواء في عملي أو في حياتي الأسرية. وخلال فترة تواجدها في الولايات المتحدة، كنت أحرص على زيارتها والجلوس معها لفترات طويلة.
وماذا تعلمت منها؟
تعلمت منها الحزم والإتقان في العمل والتواضع، لكنني لم أستطع أن أتعلم القوة التي كانت تتمتع بها. أمي تمتلك نفس الصفة، وأشعر أن أولادي ورثوها أيضاً.
كيف توضح لنا قوة شخصيتها كما تقول؟
كانت لا تهتز بسهولة إذا تعرضت لفاجعة، وكانت شديدة التماسك في الأزمات، لديها قدرة كبيرة على إدارة المواقف الصعبة بهدوء وثبات.
هل هناك مواقف تتذكرها تؤكد هذه القوة؟
نعم، أذكر أنه في إحدى زيارات الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إلى منزل جدي بالقرية، وكان المنزل وقتها أشبه بحديقة حيوان صغيرة لأن كل رئيس كان يهدي جدي حيواناً، فكنا نحتفظ بهم في حديقة الفيلا. كانت أبرز الهدايا من أحد رؤساء إفريقيا اثنين من الشمبانزي غير الأليفين. في يوم زيارة كارتر، خرج أحدهما من القفص وقفز على الشجرة، وفشل العاملون في إنزاله مما هدد بتحول الموقف إلى كارثة دبلوماسية. عندها تدخلت جدتي بهدوء شديد، فقد كانت على علاقة طيبة بالشمبانزي منذ قدومهما، فأمسكته من يديه وأدخلته القفص بكل ثبات قبل أن يشعر كارتر أو الحضور بأي قلق.
مثال آخر على قوتها كان بعد اغتيال جدي. جدتي تركت ارتداء الملابس السوداء، وخرجت في جولة لزيارة ضباط الجيش المصابين في حادث المنصة. وعندما سألوها عن صحة الرئيس اكتفت بالقول إنه بخير، ولم تخبرهم باستشهاده حتى لا تصيبهم الصدمة أو الحزن في تلك اللحظة الصعبة.
أما عن الحزم، فقد كانت أماً شديدة مع أمي، لا تسمح لها بالتأخر بعد السابعة مساءً، وتمنع خروجها بمفردها، ولم تكن تسمح لها بالذهاب إ
لى النوادي بسهولة. كانت تربيتها صارمة لكنها قائمة على الحب والخوف على أبنائها.
تعليقات (0)