تسييل الذهب.. بين المرونة الاستثمارية ومخاطر غسل الأموال

يمثل الذهب أصلًا استثماريًا عالي السيولة يُسهّل الخروج والدخول من السوق وتوفير سيولة طارئة، لكن هذه الميزة قد تُستغل في المضاربة الممولة بالديون، أو الحصول على نقد غير مباشر عبر التمويل الاستهلاكي، أو غسل الأموال لنقل الثروات بعيدًا عن المنظومة المصرفية.

سبتمبر 19, 2026 - 11:50
تم التحديث: 1 يوم مضت
0 0
تسييل الذهب.. بين المرونة الاستثمارية ومخاطر غسل الأموال
وليد فاروق
تسييل الذهب.. بين المرونة الاستثمارية ومخاطر غسل الأموال

أكد تحليل حديث صادر عن «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن الميزة التنافسية الأبرز لمعدن الذهب والمتمثلة في سهولة تسييله وسرعة تحويله إلى نقد ، قد تتحول إلى ثغرة مالية ومصدر للمخاطر، إذا ما استُغلت في المضاربة القائمة على الديون، أو تحويل التسهيلات الائتمانية إلى سيولة نقدية، أو تمرير الأموال غير المشروعة عبر الحدود بعيدًا عن المنظومة المصرفية الرسمية.

سيولة عالمية قياسية وسوق محلي ينبض بالتصدير

وأبرز التقرير، استنادًا إلى بيانات مجلس الذهب العالمي لشهر أغسطس 2026، عمق السوق الدولية للذهب؛ حيث ارتفع متوسط التداولات اليومية عالميًا بنسبة 11% ليصل إلى 3021 طنًا، بقيمة إجمالية بلغت 430 مليار دولار يوميًا (بزيادة شهريّة 21%). وتوزعت هذه التداولات بين أسواق خارج البورصة (226 مليار دولار)، والعقود الآجلة (195 مليار دولار)، وصناديق الاستثمار المتداولة (8.7 مليار دولار). كما سجلت الأصول المدارة عبر صناديق الذهب عالميًا مستوى قياسيًا بـ 615 مليار دولار، بحيازات بلغت 4189 طنًا.

من جانبه، أوضح الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب»، أن مفهوم السيولة لا يقتصر على بيع المعدن فحسب، بل يرتبط بوجود سوق مرن يقدر على امتصاص المعروض وتحويله إلى سيولة سريعة، مما يوفر ملاذًا آمنًا للأسر في حالات الطوارئ دون الحاجة لبيع أصول ثقيلة كالعقارات.

وعلى المستوى المحلي، أشار التحليل إلى أن حركة تصدير الذهب المستعمل بعد إعادة صهره وتكريره تلعب دورًا محوريًا في امتصاص فائض المعروض بالسوق المصرية، وتحد من ضغوط هبوط الأسعار، فضلًا عن رفد الاقتصاد القومي بالنقد الأجنبي.

«النقد غير المباشر» وقرارات الرقابة المالية

وسلّط المرصد الضوء على ظاهرة شراء الذهب بالتقسيط عبر شركات التمويل الاستهلاكي لإعادة بيعه فورًا للحصول على السيولة («النقد غير المباشر»). وحذّر التحليل من أن هذه الممارسة تحمل الأفراد تكاليف تمويل وفوائد مرتفعة وتزج بهم في مضاربات خطرة قائمة على الديون.

وفي هذا السياق، كشف التحليل عن أبعاد القرار الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية في 16 سبتمبر 2026، والذي حظر تمويل شراء سبائك ومشغولات الذهب والفضة والبلاتين عبر شركات التمويل الاستهلاكي. ورغم أن القرار أُسس قانونيًا على أن الذهب أصل استثماري وليس سلعة استهلاكية، إلا أن التحليل الاقتصادي للمرصد يرى أنه أغلق بابًا خلفيًا كان يُستغل لتحويل الائتمان إلى نقد سريع.

مخاطر غسل الأموال وتجارب الدول

وأوضح التقرير أن الخصائص الذاتية للذهب — كصغر حجمه، وارتفاع قيمته، وقابليته للصهر وإخفاء الهوية — تجعله هدفًا لتجار العمليات غير المشروعة وفقًا لتصنيفات مجموعة العمل المالي (FATF)

واستعرض التقرير عدة تجارب دولية لضبط السوق دون تعطيل حركة التجارة:

 الإمارات: فرضت إجراءات "اعرف عميلك" (KYC) على تجار المعادن النفيسة، وألزمت المصافي بتتبع سلاسل التوريد، مع تحديد حد الإفصاح الجمركي عند 60 ألف درهم

  سنغافورة: كشفت عن قضية غسل أموال تاريخية تجاوزت 3 مليارات دولار سنغافوري شملت مصادرة 68 سبيكة ذهبية، وفرضت سلطة النقد في يوليو 2025 غرامات بقيمة 27.45 مليون دولار على 9 مؤسسات مالية لقصور في الرقابة

 بريطانيا: شهدت ملاحقات قضائية للأجهزة الأمنية (NCA) في 2024 و2025 شملت مصادرة سبائك ذهبية مرتبطة بغسل أموال تجارة المخدرات والجريمة المنظمة

الصين وأستراليا والاتحاد الأوروبي: 

اتجهت الصين (أغسطس 2025) وأستراليا لتوسيع نطاق الرقابة على كبار تجار الجملة والتجزئة، بينما أدرج الاتحاد الأوروبي السبائك والعملات الذهبية ضمن تعريف "النقد" الخاضع للإفصاح الجمركي عند حد 10 آلاف يورو

التنظيم لا التعطيل: مؤشرات الأشخاص والمُعاملات المشبوهة

واختتم «مرصد الذهب» تحليله بالمطالبة بتطبيق قواعد الشفافية والتتبع الشامل من المنتج حتى المشتري النهائي، ودعم وسائل الدفع المصرفية بدلاً من التضييق على حركة البيع المشروعة.

ولخّص التقرير أبرز مؤشرات الاشتباه التي تستوجب الرقابة في:

الشراء المتكرر بمبالغ نقدية ضخمة أو تجزئة الصفقة للتهرب من حدود الإفصاح،و عدم تناسب حجم المشتريات مع الدخل المعلن للعميل ، إلى جانب إعادة البيع السريع والمفاجئ دون وجود مبرر اقتصادي منطقي ، وايضا نقل الذهب عبر الحدود دون مستندات ملكية رسمية توضح المصدر

وشدد الدكتور وليد فاروق في ختام التصريح على أن الهدف ليس تعطيل البيع أو إضعاف مرونة الذهب للمدخرين، بل حماية السوق عبر التتبع الذكي لمعرفة مصدر الذهب ومساره في المعاملات الكبيرة

تعليقات (0)

User